قبل عقد واحد فقط، كانت السيارة الصينية في نظر كثير من المشترين حول العالم خيارًا رخيصًا يُشترى على مضض، بجودة متواضعة وتصميم مقتبس وقيمة إعادة بيع ضعيفة. أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل يصعب تصديقه. صارت العلامات الصينية تتصدر قوائم المبيعات في أسواق عدة، وتنافس كبار الشركات الأوروبية واليابانية والكورية في التقنية والتصميم، بل وتسبقها أحيانًا في السيارات الكهربائية والبرمجيات والبطاريات.

وما يحدث ليس مجرد زيادة في الصادرات، بل تحول في الاستراتيجية بالكامل: من بيع السيارات للخارج إلى بناء المصانع في قلب الأسواق المستهدفة، ومن تقليد الآخرين إلى المشاركة في وضع المعايير العالمية. في هذا المقال نستعرض أحدث توسعات شركات السيارات الصينية في الأسواق العالمية، وأبرز الأرقام والطرازات المعلنة، والتحديات التي تواجهها.

شركات السيارات الصينية في الأسواق العالمية: أحدث التوسعات والطرازات المعلنة

أرقام قياسية غير مسبوقة

لفهم حجم هذه الظاهرة، يكفي أن ننظر إلى الأرقام. فقد بلغت صادرات الصين من السيارات في عام 2025 نحو 8.32 مليون سيارة، بزيادة قاربت 30 في المئة مقارنة بالعام السابق، وبقيمة إجمالية تجاوزت 142 مليار دولار. وفي شهر ديسمبر وحده من ذلك العام، اقتربت الصادرات من مليون سيارة.

واستمر الزخم في 2026 بوتيرة أسرع. ففي الربع الأول وحده، صدّرت الصين أكثر من 2.2 مليون سيارة، بنمو تجاوز 56 في المئة، وكانت قرابة 954 ألفًا منها سيارات تعمل بالطاقة الجديدة، أي الكهربائية والهجينة القابلة للشحن، بنمو تجاوز 120 في المئة. ثم تجاوزت الصادرات في النصف الأول من 2026 حاجز خمسة ملايين سيارة، في رقم قياسي لنصف سنة.

ويعود جزء من هذا الاندفاع نحو الخارج إلى ظروف السوق الصينية نفسها، التي تشهد منافسة شرسة وحرب أسعار قاسية وطاقة إنتاجية تفوق الطلب المحلي. فوجدت الشركات في الأسواق الخارجية متنفسًا للنمو وتعويضًا عن هوامش الربح المتآكلة في الداخل. وبهذا تحولت الصين خلال سنوات قليلة إلى أكبر مصدّر للسيارات في العالم، متجاوزة دولًا ظلت لعقود تتصدر هذه القائمة.

الكبار الثلاثة: أهداف بالملايين

تشيري: ملكة التصدير

تحتفظ تشيري بلقب أكبر مصدّر صيني لسيارات الركاب منذ أكثر من عقدين متتاليين. وقد وضعت لنفسها هدفًا لعام 2026 يتجاوز مليون سيارة مصدّرة، بعد أن صدّرت قرابة 570 ألفًا في العام السابق. وتتميز الشركة بانتشار واسع يغطي أوروبا وروسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، مع تشكيلة تجمع بين سيارات البنزين والهجينة والكهربائية تحت علامات متعددة.

واللافت أن تشيري بدأت تطلق بعض طرازاتها في الأسواق الدولية قبل طرحها في الصين نفسها، كما حدث مع سيارة تحمل في الخارج اسم LEPAS L6، في ما يوصف بالسيارات "المولودة عالميًا". كما حصلت الشركة على حقوق تصويت في مراجعة بعض المعايير الدولية للسيارات، في إشارة إلى انتقال الصناعة الصينية من دور المتبع للقواعد إلى دور المشارك في صياغتها.

بي واي دي: عملاق السيارات الكهربائية

رفعت بي واي دي هدفها التصديري لعام 2026 إلى 1.5 مليون سيارة، بعد أن صدّرت نحو 850 ألفًا في 2025. وجاء هذا الرفع بعد أن سجلت الشركة رقمًا قياسيًا شهريًا تجاوز 134 ألف سيارة مصدّرة في أبريل 2026. وتستمد بي واي دي قوتها من تكاملها الرأسي الفريد، فهي تصنع بطارياتها ورقائقها ومحركاتها بنفسها، ما يمنحها ميزة كبيرة في التكلفة.

سايك: من خلف MG

أما مجموعة سايك، المالكة لعلامة MG البريطانية الأصل، فتستهدف بدورها تصدير أكثر من مليون سيارة في 2026. وقد استخدمت الشركة اسم MG المعروف عالميًا جسرًا لدخول الأسواق الأوروبية والأسترالية وغيرها، مستفيدة من ألفة المشترين بالعلامة.

جيلي: التوسع متعدد الأقاليم

وتستهدف جيلي نموًا في صادراتها يتجاوز 50 في المئة خلال 2026، ليصل إلى نحو 640 ألف سيارة. ولجيلي وضع خاص، فهي تملك علامات أوروبية عريقة مثل فولفو ولوتس، وحصصًا في شركات أخرى، ما يمنحها خبرة واسعة في الأسواق الغربية.

خريطة النفوذ: من يقود أين؟

تكشف بيانات التصدير الشهرية أن كل شركة صينية كبرى بنت نفوذها في منطقة مختلفة. ففي مايو 2026 مثلًا، تصدرت تشيري الصادرات إلى أوروبا بأكثر من 55 ألف سيارة، وهي منطقتها الأولى. وفي أمريكا اللاتينية، تصدرت بي واي دي بفارق واضح، مدفوعة بإقبال المشترين في البرازيل قبل زيادة مقررة في الرسوم الجمركية. أما في روسيا ودول الكومنولث المستقلة، فبرزت جيلي وتشيري بقوة، مستفيدتين من التصنيع المحلي وشبكات الوكلاء الواسعة.

وفي جنوب شرق آسيا، تقاربت بي واي دي وجيلي في الصدارة، بينما تبني الشركات الثلاث حضورًا في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تتصدر تشيري الصادرات إلى الشرق الأوسط بين الثلاثة، بينما تحتفظ جيلي بحضور تقليدي قوي في أفريقيا قائم على الأسعار التنافسية وشبكات التوزيع.

من التصدير إلى التصنيع المحلي

التحول الأهم في استراتيجية الشركات الصينية هو الانتقال من شحن السيارات إلى بناء المصانع في الأسواق المستهدفة. ولهذا التحول أسباب واضحة: تجنب الرسوم الجمركية المرتفعة، وتقليل تكاليف الشحن، والاقتراب من المستهلكين، وكسب ثقة الحكومات عبر توفير وظائف محلية.

بي واي دي في أوروبا

بدأت بي واي دي الإنتاج التجريبي لسيارات الركاب في مصنعها الجديد بمدينة سيجد المجرية في مطلع 2026، على أن يبدأ الإنتاج الكامل في الربع الأخير من العام، بتأخير نحو عام عن الموعد الأصلي. وأول طراز سيُنتج هناك هو سيارة Dolphin Surf الصغيرة. ووصفت إدارة الشركة المصنع المجري بأنه أولويتها الأولى حاليًا. في المقابل، تعثر مشروع مصنعها في تركيا، الذي أُعلن عنه في 2024 باستثمار يقارب مليار دولار، ولم يبدأ بناؤه بعد. كما تبحث الشركة عن موقع ثانٍ للإنتاج في أوروبا، وأجرت محادثات مع شركات أوروبية حول الاستحواذ على مصانع متوقفة.

ليب موتور وشراكة ستيلانتس

من أبرز النماذج على التعاون بين الشركات الصينية والأوروبية، شراكة ليب موتور مع مجموعة ستيلانتس. ففي أكتوبر 2026، أعلنت ليب موتور بدء إنتاج سيارتها B10 متعددة الاستخدامات في مصنع ستيلانتس بمدينة سرقسطة الإسبانية، ضمن استراتيجية تقوم على مبدأ "في أوروبا ولأجل أوروبا". كما تخطط ستيلانتس لنقل مصنعها في مدريد إلى الفرع الإسباني لمشروع ليب موتور الدولي. وتشهد الشركة نموًا سريعًا، إذ تجاوزت تسليماتها في الأشهر التسعة الأولى من 2026 إجمالي ما سلمته طوال العام السابق، وتعتبر التوسع الخارجي مفتاحًا لهدفها في بيع مليون سيارة خلال 2026.

مصانع في أسواق ناشئة

وإلى جانب أوروبا، تمتلك الشركات الصينية الكبرى مصانع أو مشاريع تصنيع وتجميع في دول عدة، من تايلاند وإندونيسيا في جنوب شرق آسيا، إلى البرازيل في أمريكا اللاتينية، وروسيا ودول آسيا الوسطى، وعدد من دول الشرق الأوسط وأفريقيا. وهذا الانتشار الصناعي يجعل وجودها في هذه الأسواق أكثر رسوخًا واستدامة من مجرد التصدير.

طرازات جديدة موجهة للعالم

لم تعد الشركات الصينية تكتفي بتصدير ما تبيعه في الداخل، بل باتت تصمم طرازات بمواصفات تناسب الأسواق العالمية. ففي معرض باريس للسيارات 2026، كشفت ليب موتور عن سيارتها A05 الصغيرة لأول مرة في أوروبا، ببطاريتين ومدى يصل وفق المعيار الصيني إلى نحو 510 كيلومترات، إلى جانب سيارتها الرائدة D19 متعددة الاستخدامات بتقنية تمديد المدى.

ويبرز اتجاه واضح نحو السيارات الهجينة القابلة للشحن والسيارات ذات مولد تمديد المدى في الطرازات المصدّرة، لأنها تتجنب جزءًا من الرسوم المفروضة على السيارات الكهربائية بالكامل في بعض الأسواق، وتناسب الدول التي تفتقر إلى بنية تحتية كافية للشحن. كما تولي الشركات اهتمامًا متزايدًا بتقديم نسخ بمقود على اليمين للأسواق التي تحتاجها، مثل بريطانيا وأستراليا وأجزاء من آسيا وأفريقيا.

الرسوم الجمركية: الجدار الذي تحاول الشركات تجاوزه

لم يمر هذا التوسع دون ردود فعل. ففي الاتحاد الأوروبي، تدفع شركات السيارات الكهربائية المصنّعة في الصين رسومًا تصل إلى 35.3 في المئة، فُرضت بدعوى أن هذه الشركات تحظى بدعم حكومي واسع يمنحها ميزة غير عادلة. وفي يناير 2026، نشر الاتحاد الأوروبي إطارًا يسمح للشركات باستبدال هذه الرسوم بتعهدات ملزمة بالبيع بأسعار دنيا، تُحدد لكل طراز ونسخة على حدة، بناءً على السعر النهائي للمستهلك الأول، لمنع تقويض الأسعار عبر الخصومات. وأشار الاتحاد إلى أنه سيأخذ في الاعتبار استثمارات الشركات الصينية في التصنيع داخل أوروبا عند تقييم هذه التعهدات، وهو ما يفسر جزئيًا تسارع خطط بناء المصانع الأوروبية.

وفي الولايات المتحدة، تبقى الأبواب شبه مغلقة أمام السيارات الصينية بسبب رسوم مرتفعة جدًا وقيود على البرمجيات والأنظمة المتصلة. كما فرضت دول أخرى، مثل البرازيل، زيادات تدريجية في الرسوم على السيارات الكهربائية المستوردة لتشجيع التصنيع المحلي.

تحديات تتجاوز الرسوم

رغم الأرقام المبهرة، تواجه الشركات الصينية تحديات حقيقية في الخارج. أولها الربحية، إذ تشير التقارير إلى أن أرباح معظم الشركات من عملياتها الخارجية ما زالت محدودة أو سلبية، بسبب تكاليف التوسع وبناء الشبكات والحملات التسويقية. وثانيها بناء الثقة طويلة الأمد، فالمشتري في كثير من الأسواق ما زال يتساءل عن موثوقية هذه السيارات بعد سنوات، وعن توفر قطع الغيار، وعن قيمتها عند إعادة البيع.

وثالثها القيود المتعلقة بالأمن والبيانات، إذ تخطط بعض الدول لفرض قيود على السيارات المتصلة بالإنترنت ذات المكونات أو البرمجيات الصينية بدءًا من 2027، بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن. ورابعها كثرة العلامات وتشابهها، فقد يجد المستهلك صعوبة في التمييز بين عشرات الأسماء الجديدة التي تصل إلى سوقه في وقت قصير، وليس كلها سيصمد على المدى البعيد.

ماذا يعني ذلك للمستهلك العربي؟

بالنسبة للمشتري في المنطقة العربية، يعني هذا التوسع خيارات أكثر وأسعارًا أكثر تنافسية، مع تجهيزات تقنية كانت قبل سنوات حكرًا على السيارات الفاخرة: شاشات كبيرة، وأنظمة مساعدة متقدمة، ومحركات هجينة وكهربائية. كما يدفع وجود هذه الشركات العلامات التقليدية إلى تحسين عروضها وتخفيض أسعارها.

لكن قبل الشراء، من الحكمة أن تسأل عن قوة الوكيل المحلي واستمراريته، وتوفر قطع الغيار ومراكز الصيانة، وشروط الضمان وخاصة على البطاريات في الطرازات الكهربائية والهجينة، وأداء العلامة في سوق المستعمل. فالعلامات التي تستثمر في التصنيع المحلي وشبكات الخدمة الواسعة تقدم عادة ضمانًا أكبر للاستمرارية من تلك التي تكتفي بالتصدير.

الخلاصة

لم تعد شركات السيارات الصينية مجرد مصدّر لسيارات رخيصة، بل أصبحت لاعبًا عالميًا رئيسيًا يعيد تشكيل الصناعة. صادرات تجاوزت ثمانية ملايين سيارة في 2025، وخمسة ملايين في النصف الأول من 2026 وحده، وأهداف بالملايين لشركات مثل تشيري وبي واي دي وسايك، ومصانع تُبنى في المجر وإسبانيا وأسواق ناشئة عدة، وطرازات تُصمم للعالم منذ البداية. وفي المقابل، تواجه هذه الشركات جدارًا من الرسوم الجمركية، وأسئلة حول الربحية والثقة والأمن الرقمي. لكن المؤكد أن خريطة صناعة السيارات العالمية لن تعود كما كانت، وأن المنافسة القادمة ستكون أشد من أي وقت مضى، وهو ما قد يصب في النهاية في مصلحة المستهلك أينما كان.