حين تجلس اليوم داخل سيارة مرسيدس بنز حديثة، قد تشعر للحظة أنك داخل جهاز إلكتروني فاخر أكثر من كونك داخل سيارة. شاشة زجاجية تمتد من باب إلى باب، ومساعد رقمي يحاورك بلغة طبيعية ويقترح عليك أشياء قبل أن تطلبها، وإضاءة محيطية تتغير ألوانها مع درجة حرارة التكييف، وتطبيقات ترفيه وألعاب على شاشة الراكب. هذه ليست مقصورة مستقبلية في معرض للسيارات الاختبارية، بل ما تقدمه الشركة في سياراتها الإنتاجية الآن.

على مدى سنوات قليلة، تحولت المقصورة بالنسبة لمرسيدس من مكان فاخر للجلوس إلى ساحة منافسة رئيسية، تتسابق فيها الشركات على البرمجيات والذكاء الاصطناعي بقدر ما تتسابق على الجلد والخشب. في هذا المقال نستعرض أبرز التقنيات التي كشفت عنها مرسيدس بنز في مقصوراتها الذكية، وكيف تعمل، وما الذي تعنيه لتجربة السائق والركاب.

مرسيدس بنز وتطوير المقصورات الذكية: أبرز التقنيات التي كشفت عنها الشركة

من "هاي مرسيدس" إلى نظام تشغيل كامل

بدأت القصة الحديثة لمقصورات مرسيدس الذكية في 2018، حين قدمت الشركة نظام المعلومات والترفيه MBUX لأول مرة في الفئة A. كان أبرز ما فيه حينها أنك تستطيع التحدث إلى السيارة بقول "هاي مرسيدس"، ثم تطلب ما تريده بلغة شبه طبيعية، بدلًا من الأوامر الصوتية الجامدة التي كانت شائعة. ثم جاءت شاشة Hyperscreen العملاقة في سيارة EQS الكهربائية عام 2021، لتعلن بوضوح أن الشركة تريد أن تجعل المقصورة الرقمية جزءًا أساسيًا من هويتها.

لكن القفزة الحقيقية جاءت مع تطوير مرسيدس لنظام تشغيل خاص بها بالكامل، يحمل اسم MB.OS. فبدلًا من الاعتماد على برمجيات متفرقة من موردين مختلفين، بنت الشركة نظامًا موحدًا يدير السيارة كلها تقريبًا، من الشاشات والترفيه إلى أنظمة مساعدة السائق والراحة. وكانت سيارة CLA الجديدة، التي كُشف عنها في مارس 2025، أول سيارة تعمل بهذا النظام بالكامل.

MB.OS: لماذا يهم نظام التشغيل؟

قد يبدو الحديث عن نظام التشغيل تقنيًا وبعيدًا عن اهتمام السائق العادي، لكنه في الحقيقة يغير تجربة الامتلاك بشكل كبير. فوجود نظام موحد يعني أن الشركة تستطيع تحديث برمجيات السيارة كلها لاسلكيًا، تمامًا كما يتحدث هاتفك الذكي. ولأول مرة لدى مرسيدس، تشمل هذه التحديثات حتى أنظمة مساعدة السائق، لا الشاشات والترفيه فقط.

هذا يعني أن السيارة قد تكتسب مزايا جديدة، أو تتحسن أنظمتها، بعد سنوات من شرائها، دون الحاجة إلى زيارة الوكيل. كما يسمح النظام بتنسيق أعمق بين مكونات المقصورة، فتتناغم الإضاءة المحيطية مع لوحة العدادات وأزرار التحكم والتكييف في تجربة واحدة متكاملة. لكن من المهم أن يعرف المشتري أن بعض هذه الخدمات تتطلب حسابًا شخصيًا لدى الشركة، وقد تصبح مدفوعة بعد انتهاء الفترة الأولى المجانية.

المساعد الافتراضي: ذكاء اصطناعي يحاورك

من أكثر التقنيات التي ركزت عليها مرسيدس مساعدها الافتراضي الجديد، الذي عرضته لأول مرة في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية في يناير 2024، قبل أن يصل إلى السيارات الإنتاجية. يعتمد هذا المساعد على الذكاء الاصطناعي التوليدي والنماذج اللغوية الكبيرة، مما يسمح له بإجراء محادثات طبيعية ومتسلسلة، لا مجرد تنفيذ أوامر منفصلة.

أكثر من نموذج ذكاء اصطناعي

اللافت في نهج مرسيدس أنها لم تعتمد على شركة تقنية واحدة. ففي سيارة CLA، يستخدم المساعد نماذج من OpenAI عبر ChatGPT، إلى جانب محرك بحث Bing من مايكروسوفت للأسئلة العامة. أما الأسئلة المتعلقة بالملاحة والأماكن، فيتولاها وكيل ذكاء اصطناعي من غوغل مبني على نموذج Gemini، مع الوصول إلى بيانات خرائط غوغل. والنظام يختار تلقائيًا بين هذه المصادر حسب طبيعة السؤال، ويحتفظ بسياق المحادثة لفترة قصيرة، فيفهم أسئلتك المتتابعة دون أن تكرر كل شيء.

وفي النسخة المحدثة من الفئة S، تطور هذا المفهوم ليجمع عدة وكلاء ذكاء اصطناعي من OpenAI ومايكروسوفت وغوغل في منظومة واحدة، ضمن الجيل الرابع من نظام MBUX.

نجمة حية تعبر عن المشاعر

اهتمت مرسيدس أيضًا بالجانب البصري للمساعد. فبدلًا من موجة صوتية بسيطة، يظهر المساعد على الشاشة على شكل نجمة حية متحركة، مصممة باستخدام محرك الألعاب الشهير Unity، تتغير حركتها وشكلها لتعبر عن حالتها: حين تستمع، وحين تفكر، وحين تتحدث، وحين تقدم اقتراحًا أو تحذيرًا.

اقتراحات استباقية

والأهم أن المساعد مصمم ليكون استباقيًا. فهو يتعلم عاداتك مع الوقت، ويقترح عليك أشياء قبل أن تطلبها، مثل تشغيل نشرة الأخبار في رحلتك الصباحية المعتادة، أو تفعيل برنامج التدليك في نهاية يوم عمل طويل، أو عرض الانضمام إلى اجتماع مسجل في تقويمك. وتصف الشركة مساعدها بأربع صفات: طبيعي، واستباقي، وشخصي، ومتعاطف.

الشاشات: من باب إلى باب

Hyperscreen الجديدة في GLC

في معرض ميونخ للتنقل في سبتمبر 2025، كشفت مرسيدس عن مقصورة سيارة GLC الكهربائية الجديدة، وفيها أكبر شاشة متصلة وضعتها الشركة في سياراتها حتى الآن: شاشة Hyperscreen بقياس 39.1 بوصة، أي ما يقارب متر كامل، تمتد من عمود إلى عمود عبر لوحة القيادة كلها. تؤدي هذه الشاشة دور لوحة العدادات والشاشة المركزية وشاشة الراكب في آن واحد.

وتعتمد الشاشة على إضاءة خلفية مصفوفية بأكثر من ألف وحدة إضاءة منفصلة، مع تقنية تعتيم المناطق التي تسمح بضبط سطوع أجزاء مختلفة من الشاشة بشكل مستقل. وقد تقدمت الشركة بطلب براءة اختراع لهذه التقنية.

Superscreen في الفئات الأخرى

أما في سيارات أخرى مثل CLA والفئة S المحدثة، فتقدم الشركة ما تسميه Superscreen، وهو تصميم يجمع الشاشة المركزية وشاشة الراكب تحت سطح زجاجي واحد متصل. في الفئة S مثلًا، تأتي شاشة مركزية بقياس 14.4 بوصة إلى جانب شاشة للراكب بقياس 12.3 بوصة، مع لوحة عدادات رقمية متوفرة بخيار عرض ثلاثي الأبعاد.

عودة الأزرار: درس تعلمته الصناعة

من المثير للاهتمام أن مرسيدس، رغم كل هذه الشاشات، بدأت تعيد بعض الأزرار الفيزيائية إلى مقصوراتها. ففي GLC الكهربائية الجديدة، عادت مجموعة من الأزرار الحقيقية إلى الكونسول الأوسط، بينها زر إشارات التحذير، إلى جانب عجلة تمرير. كما عادت عجلات التمرير الفيزيائية إلى المقود لتحل محل أسطح اللمس التي استخدمتها الشركة في طرازات سابقة.

هذه الخطوة تعكس اتجاهًا أوسع في الصناعة. فبعد سنوات من نقل كل شيء تقريبًا إلى الشاشات، تبين أن السائقين يجدون صعوبة في استخدام أسطح اللمس أثناء القيادة دون النظر إليها، وأن بعض الوظائف الأساسية تحتاج إلى أزرار يمكن الشعور بها. والنتيجة مزيج أكثر توازنًا بين الرقمي والفيزيائي.

الترفيه: المقصورة كغرفة معيشة

تتعامل مرسيدس مع المقصورة على أنها مساحة للترفيه وليس للتنقل فقط. فشاشة الراكب الأمامي تتيح تطبيقات مشاهدة مثل Disney+، وخدمات الألعاب السحابية التي يمكن تشغيلها بوحدة تحكم لاسلكية. ولأسباب تتعلق بالسلامة، يمكن للراكب اللعب على شاشته أثناء القيادة، بينما لا تعمل الألعاب على الشاشة المركزية إلا والسيارة متوقفة. كما صُممت شاشة الراكب بحيث لا يستطيع السائق رؤية محتواها، حتى لا يتشتت انتباهه.

وفي الصوت، تقدم الشركة أنظمة متطورة بالتعاون مع بورمستر، تدعم تقنية دولبي أتموس للصوت المحيطي ثلاثي الأبعاد. وفي سيارة CLA مثلًا، يتكون النظام الاختياري من 16 سماعة بقدرة 850 واط. كما تقدم مرسيدس ما تسميه "عوالم صوتية"، وهي أصوات مصممة خصيصًا تتفاعل مع أسلوب القيادة، خاصة في السيارات الكهربائية التي تفتقر إلى صوت المحرك التقليدي.

مقصورة خلفية بدرجة أولى

في الفئة S المحدثة بقاعدة العجلات الطويلة، توسعت مرسيدس في تجهيز المقعد الخلفي ليشبه درجة رجال الأعمال في الطائرات. فهناك كونسول مركزي يمتد بطول المقصورة، ومنافذ شحن سريع لاسلكية وسلكية، وحجرة مبردة، وحوامل أكواب يتم التحكم في حرارتها، إلى جانب نظام ترفيه خلفي متطور يدعم تطبيقات المشاهدة. بل أضافت الشركة أحزمة أمان مزودة بتدفئة، ونظام تحكم رقمي في فتحات التهوية، وفلترًا كهربائيًا متقدمًا لتنقية هواء المقصورة.

الإضاءة المحيطية: أكثر من مجرد ديكور

الإضاءة المحيطية في سيارات مرسيدس لم تعد مجرد خطوط ملونة للزينة. فهي اليوم مرتبطة بأنظمة السيارة المختلفة. عند ضبط حرارة التكييف مثلًا، تتغير ألوان الإضاءة وإضاءة فتحات التهوية لفترة قصيرة لتعكس الاتجاه، دافئًا أو باردًا. ويمكن اختيار أنماط إضاءة تتراوح بين الهادئ والحيوي، تتناغم مع المزاج أو وضع القيادة. وفي بعض الطرازات، تُستخدم الإضاءة أيضًا كوسيلة تنبيه لأنظمة السلامة.

الملاحة المعززة والعرض على الزجاج

من التقنيات التي تعتمد عليها مرسيدس في مقصوراتها الذكية العرض على الزجاج الأمامي بتقنية الواقع المعزز. فبدلًا من أن تنظر إلى خريطة على الشاشة، ترى أسهم الاتجاه وكأنها مرسومة مباشرة على الطريق أمامك. وفي الفئة S المحدثة، تعتمد الملاحة على خرائط غوغل، مما يوفر بيانات محدثة عن الطرق والأماكن والمرور. هذا الدمج بين البيانات الحية وطريقة العرض يقلل الحاجة إلى إبعاد نظرك عن الطريق.

حاسوب فائق يعمل في الخلفية

كل هذه التقنيات تحتاج إلى قدرة حاسوبية كبيرة. ولهذا تعتمد سيارات مرسيدس الحديثة على معمارية إلكترونية جديدة موجهة نحو الخدمات، توفر سرعة معالجة أعلى وقدرة حوسبة أكبر. وفي الفئة S المحدثة، يتولى حاسوب فائق مبرد بالماء إدارة أنظمة مساعدة السائق والركن. هذه القدرة هي ما يسمح للسيارة بتشغيل مساعد ذكاء اصطناعي، وعرض رسومات معقدة على شاشات عملاقة، وتحديث نفسها لاسلكيًا، في الوقت نفسه.

التحديات والأسئلة المفتوحة

رغم الإبهار، تطرح هذه المقصورات الذكية أسئلة مهمة. أولها مسألة الخصوصية، فالمساعد الذي يتعلم عاداتك ويعرف مواعيدك يجمع بالضرورة كمًا كبيرًا من البيانات عنك، ومن المهم أن تفهم إعدادات الخصوصية وتتحكم فيها. وثانيها التشتت، فكثرة الشاشات والمعلومات قد تشغل السائق عن الطريق إن لم تُصمم بعناية. وثالثها التكلفة، فكثير من هذه التقنيات تأتي كخيارات إضافية، وبعض الخدمات الرقمية قد تتطلب اشتراكات مستقبلية. ورابعها الاعتمادية على المدى الطويل، فالشاشات العملاقة والأنظمة المعقدة قد تكون مكلفة في الإصلاح بعد انتهاء الضمان.

ويضاف إلى ذلك سؤال مهم لمستخدمي المنطقة العربية: مدى دعم هذه الأنظمة للغة العربية، وتوفر خدمات الذكاء الاصطناعي والتطبيقات في كل سوق، إذ تختلف المزايا المتاحة من بلد لآخر بحسب الاتفاقيات والقوانين المحلية.

إلى أين تتجه مرسيدس؟

تشير كل هذه التطورات إلى رؤية واضحة: السيارة القادمة ستكون منصة رقمية تتطور باستمرار، لا منتجًا ثابتًا يبقى كما هو منذ يوم شرائه. والمقصورة ستكون المكان الذي تتجلى فيه هذه الرؤية، حيث يتفاعل الركاب مع ذكاء اصطناعي يفهمهم، وشاشات تعرض ما يحتاجونه، وبيئة تتكيف مع مزاجهم. ومع تقدم أنظمة القيادة الآلية، ستزداد أهمية المقصورة كمساحة للعمل والترفيه والراحة، لا مجرد مكان لقيادة السيارة.

الخلاصة

نقلت مرسيدس بنز مقصوراتها خلال سنوات قليلة من الفخامة التقليدية إلى الذكاء الرقمي المتكامل. نظام تشغيل خاص بها يسمح بتحديث السيارة كلها لاسلكيًا، ومساعد افتراضي يعتمد على نماذج ذكاء اصطناعي من OpenAI ومايكروسوفت وغوغل، وشاشة Hyperscreen تمتد على عرض لوحة القيادة بالكامل، وأنظمة ترفيه وصوت وإضاءة تحول المقصورة إلى مساحة معيشة متنقلة. وفي الوقت نفسه، أظهرت الشركة نضجًا في إعادة بعض الأزرار الفيزيائية حيث يحتاجها السائق فعلًا. يبقى على المشتري أن يوازن بين الإبهار التقني وأسئلة الخصوصية والتكلفة والاعتمادية، لكن الواضح أن المقصورة أصبحت اليوم ساحة المنافسة الأهم في عالم السيارات الفاخرة، ومرسيدس تريد أن تكون في مقدمتها.