قبل سنوات قليلة، كانت تويوتا في نظر كثير من المحللين شركة متأخرة عن الركب. فبينما كانت الشركات المنافسة تعلن واحدة تلو الأخرى عن مواعيد للتخلي عن محركات البنزين، والتحول الكامل إلى السيارات الكهربائية، كانت الشركة اليابانية تكرر موقفًا مختلفًا: الطريق إلى خفض الانبعاثات ليس طريقًا واحدًا، والسيارة الهجينة ما زالت جزءًا أساسيًا من الحل. تعرضت الشركة لانتقادات واسعة بسبب هذا الموقف، ووصفها البعض بأنها تقاوم المستقبل.

لكن الصورة اليوم تبدو مختلفة تمامًا. فمع تباطؤ نمو مبيعات السيارات الكهربائية في أسواق عدة، وتراجع الحوافز الحكومية في بعضها، وجدت تويوتا نفسها في موقع قوي، بينما تتكبد شركات أخرى خسائر كبيرة وتعيد النظر في خططها. فما الذي تكشفه تصريحات تويوتا وخططها المعلنة عن مستقبل سياراتها الهجينة؟ وهل نحن أمام استراتيجية مؤقتة أم رؤية طويلة الأمد؟

مستقبل سيارات تويوتا الهجينة: ماذا تكشف تصريحات الشركة عن خططها القادمة؟

استراتيجية "المسارات المتعددة"

لفهم خطط تويوتا القادمة، يجب أن نفهم أولًا الفلسفة التي تحكمها. تتبنى الشركة منذ سنوات ما تسميه استراتيجية المسارات المتعددة، وتقوم على فكرة أن العالم ليس سوقًا واحدة. فهناك دول تملك شبكات شحن واسعة وكهرباء نظيفة، وأخرى تفتقر إلى البنية التحتية، أو تعتمد على الفحم في إنتاج الكهرباء، أو يعيش فيها الناس في ظروف لا تسمح بشحن سيارة في المنزل. ولهذا ترى تويوتا أن فرض حل واحد على الجميع ليس واقعيًا.

وبناءً على ذلك، تطور الشركة في الوقت نفسه سيارات هجينة تقليدية، وهجينة قابلة للشحن، وكهربائية بالكامل، وسيارات تعمل بخلايا وقود الهيدروجين، بل ومحركات احتراق قادرة على العمل بأنواع وقود منخفضة الكربون. وتلخص الشركة موقفها بأن المشكلة ليست في محرك الاحتراق بحد ذاته، بل في انبعاثات الكربون، وأن الهدف هو خفض هذه الانبعاثات بأي وسيلة متاحة وعملية.

أرقام تكشف حجم الرهان

الأرقام الحديثة توضح إلى أي مدى أصبحت السيارات الهجينة عمودًا فقريًا لأعمال تويوتا. ففي عام 2025، باعت الشركة نحو 10.5 مليون سيارة حول العالم، كان من بينها قرابة خمسة ملايين سيارة مكهربة، الغالبية العظمى منها، أي أكثر من 4.4 مليون، سيارات هجينة تقليدية لا تحتاج إلى شحن خارجي.

وفي النصف الأول من 2026، شكلت السيارات الهجينة نحو 2.3 مليون من أصل قرابة 2.7 مليون سيارة مكهربة باعتها الشركة. وتتوقع تويوتا أن تتجاوز مبيعاتها العالمية من السيارات الهجينة حاجز خمسة ملايين وحدة خلال 2026 للمرة الأولى في تاريخها. وتشير التقديرات إلى أن الشركة تستحوذ وحدها على قرابة 58 في المئة من سوق السيارات الهجينة عالميًا، وهي حصة تعكس تفوقًا بنته على مدى أكثر من ربع قرن منذ إطلاق بريوس.

خطة التوسع حتى 2028

وفق تقارير نشرتها صحيفة نيكاي آسيا في مطلع 2026، استنادًا إلى توقعات الشركة، تخطط تويوتا لرفع إنتاجها من السيارات الهجينة والهجينة القابلة للشحن بنحو 30 في المئة بحلول عام 2028، ليصل إلى قرابة 6.7 مليون وحدة سنويًا. وفي الفترة نفسها، تتوقع الشركة أن يبلغ إجمالي إنتاجها نحو 11.3 مليون سيارة، أي أن السيارات الهجينة قد تمثل حوالي 60 في المئة من إجمالي إنتاجها، مقارنة بنحو النصف حاليًا.

هذه الأرقام تكشف أن السيارة الهجينة بالنسبة لتويوتا ليست مرحلة انتقالية قصيرة، بل أساس ستبني عليه خلال السنوات القادمة، حتى وهي تواصل تطوير السيارات الكهربائية بالتوازي.

السوق الأمريكية في قلب الخطة

تحتل الولايات المتحدة مكانة خاصة في هذه الاستراتيجية. فقد أنهت تويوتا عام 2025 بوصفها الشركة الأكثر مبيعًا في السوق الأمريكية، مع نمو في مبيعاتها هناك يقارب 8 في المئة، لعبت فيه الطرازات الهجينة دورًا رئيسيًا. وتشير التقارير إلى أن الشركة تخطط لاستثمار نحو 1.5 تريليون ين، أي ما يقارب عشرة مليارات دولار، في عملياتها الأمريكية على مدى خمس سنوات، تبدأ بتطوير خمسة مصانع تنتج محركات ومكونات هجينة.

ومن الخطط المعلنة أيضًا إنتاج نسخة هجينة من كورولا في مصنع ولاية ميسيسيبي بعد عام 2028. وفي الوقت نفسه، أصبحت النسخ الهجينة هي الخيار الوحيد أو السائد في عدد من الطرازات الشهيرة، مثل كامري التي تحولت بالكامل إلى الهجين، إلى جانب طلب قوي على النسخ الهجينة من راف فور وتاكوما. ويبدو أن الشركة تتجه تدريجيًا إلى جعل الهجين معيارًا أساسيًا، لا مجرد خيار إضافي.

بطاريات هجينة من جيل جديد

من أهم التصريحات الحديثة ما أعلنته تويوتا خلال مؤتمر نتائجها المالية في أغسطس 2026، حين كشفت عن جيل جديد من بطاريات السيارات الهجينة يبدأ طرحه في 2027. وأوضحت الشركة أن البطاريات الجديدة ستقدم أداءً أفضل وتكلفة أقل، وأنها ستحوّل خطوط إنتاج قائمة في اليابان بطاقة تكفي لنحو 600 ألف سيارة، مع توسيع قدرتها الإنتاجية من البطاريات خلال عامي 2027 و2028.

لم تكشف الشركة عن تفاصيل التركيبة الكيميائية لهذه البطاريات. لكن من المعروف أن تويوتا انتقلت تدريجيًا من بطاريات النيكل ميتال هيدرايد في سياراتها الهجينة القديمة إلى بطاريات الليثيوم أيون في طرازاتها الأحدث، مثل الجيل السادس من راف فور. وخفض تكلفة البطاريات يعني أمرًا مهمًا للمشتري: سيارات هجينة بأسعار أقرب إلى نظيراتها التقليدية، وهو ما قد يوسع شريحة المشترين أكثر.

محركات جديدة صُممت للعصر الهجين

في خطوة لافتة، أعلنت تويوتا عن تطوير جيل جديد من محركات الاحتراق، وعرضته في مناسبات عدة، من بينها معرض اليابان للتنقل في أواخر 2025. والفكرة الأساسية أن هذه المحركات صُممت من البداية لتعمل جنبًا إلى جنب مع الأنظمة الكهربائية، وأن تكون قادرة على استخدام أنواع وقود منخفضة الكربون، كالوقود الحيوي والصناعي والهيدروجين.

يضم هذا الجيل محركًا رباعيًا بسعة 1.5 لتر، تقول الشركة إن نسخته الهجينة أصغر بنحو 10 في المئة في الحجم والارتفاع من المحرك الحالي، مع قوة مجمعة تتجاوز 136 حصانًا. ويأتي أيضًا بنسخة توربينية تحل محل محرك 2.5 لتر الحالي، بحجم أقل بنحو 20 في المئة، وكفاءة أعلى بنحو 30 في المئة. أما المحرك الثاني، فهو رباعي توربيني بسعة 2.0 لتر يحل محل محرك 2.4 لتر، مع نسخة عالية الأداء تستهدف نحو 400 حصان.

والأهمية العملية لصغر حجم هذه المحركات تتجاوز الاستهلاك. فالمحرك الأصغر والأقصر يسمح بغطاء محرك أكثر انخفاضًا، وانسيابية أفضل، ومركز ثقل أدنى يحسن الثبات، ومساحة داخلية أكبر للركاب. وتشير تقارير إلى أن هذه المحركات قد تظهر في سيارات مكهربة بدءًا من أواخر 2026، ما يعني أن الجيل القادم من سيارات تويوتا الهجينة قد يكون أكثر كفاءة وأكثر عملية في الوقت نفسه.

لماذا يبدو التوقيت مثاليًا لتويوتا؟

هناك عدة عوامل جعلت رهان تويوتا يبدو ناجحًا في هذه المرحلة. أولها تباطؤ نمو الطلب على السيارات الكهربائية في عدد من الأسواق، بعد أن اشترى المتحمسون الأوائل سياراتهم، وبقي المشتري العادي مترددًا أمام الأسعار المرتفعة والقلق من الشحن. وثانيها تراجع الدعم الحكومي في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا، وتخفيف بعض الحكومات لقواعد كانت تفرض حصصًا من السيارات الكهربائية على الشركات. وثالثها أن القدرة الشرائية لكثير من المستهلكين تراجعت، فأصبحوا يبحثون عن سيارة توفر الوقود دون أن تتطلب تغيير نمط حياتهم أو تركيب شاحن منزلي.

وتتوقع مؤسسة غلوبال داتا للأبحاث أن تصل مبيعات السيارات الهجينة عالميًا إلى نحو 29 مليون وحدة في 2030، بزيادة واضحة عن تقديراتها السابقة. وهذا يعني أن السوق الذي تتصدره تويوتا مرشح لمزيد من النمو.

هل تخلت تويوتا عن السيارات الكهربائية؟

من الخطأ تفسير التركيز على السيارات الهجينة على أنه تخلٍ عن السيارات الكهربائية. فتويوتا ما زالت تطور طرازات كهربائية بالكامل، وتعمل على بطاريات الحالة الصلبة التي تستهدف إطلاق أولى سياراتها بها بين 2027 و2028، كما تواصل الاستثمار في خلايا الوقود الهيدروجينية. لكن الفرق أن الشركة تتعامل مع السيارة الكهربائية كأحد الخيارات، لا كخيار وحيد، وتربط سرعة التحول بجاهزية الأسواق والبنية التحتية، لا بمواعيد محددة سلفًا.

وقد أعربت الشركة مرارًا عن قلقها من محدودية الموارد اللازمة لصناعة البطاريات. وتستند في ذلك إلى حجة معروفة لديها: كمية المواد الخام اللازمة لبطارية سيارة كهربائية كبيرة واحدة يمكن أن تصنع بطاريات عدد كبير من السيارات الهجينة، وبالتالي فإن توزيع هذه الموارد على عدد أكبر من السيارات الهجينة قد يحقق خفضًا أكبر في إجمالي الانبعاثات في المدى القريب.

الانتقادات والتحديات

رغم النجاح الحالي، لا تخلو استراتيجية تويوتا من الانتقادات. فهناك من يرى أن الشركة تخاطر بالتأخر في سباق السيارات الكهربائية، خاصة أمام الشركات الصينية التي تتقدم بسرعة في تقنيات البطاريات وتخفض الأسعار بقوة. فإذا تسارع التحول الكهربائي فجأة في الأسواق الكبرى، قد تجد تويوتا نفسها مضطرة للحاق بالمنافسين.

كما أن السيارات الهجينة التقليدية ما زالت تعتمد على الوقود الأحفوري، وبالتالي فإنها تحقق خفضًا محدودًا في الانبعاثات مقارنة بالسيارات الكهربائية التي تعمل بكهرباء نظيفة. وإذا شددت الحكومات قواعدها البيئية في المستقبل، فقد تتراجع جاذبية الهجين في بعض الأسواق. ويبقى التحدي الأكبر أمام تويوتا هو تحقيق التوازن بين جني أرباح الحاضر من السيارات الهجينة، والاستعداد في الوقت نفسه لمستقبل قد يكون كهربائيًا بدرجة أكبر.

ماذا يعني ذلك للمشتري؟

بالنسبة للمستهلك، خاصة في الأسواق العربية حيث البنية التحتية للشحن ما زالت في طور النمو في كثير من الدول، تحمل خطط تويوتا أخبارًا مطمئنة. فالسيارات الهجينة مرشحة لأن تصبح أكثر انتشارًا، وأكثر كفاءة، وربما أقل سعرًا مع البطاريات الجديدة الأرخص والمحركات الأكثر إحكامًا. كما أن ضخامة إنتاج تويوتا من هذه السيارات تعني توفرًا أوسع لقطع الغيار، وخبرة أكبر لدى الفنيين في التعامل معها. ويضاف إلى ذلك أن السيارات الهجينة من تويوتا اكتسبت سمعة قوية في الموثوقية وطول عمر البطاريات، وهو ما ينعكس عادة على احتفاظها بقيمتها في سوق السيارات المستعملة.

وإن كنت تفكر في سيارة هجينة، فاحرص على فهم الفرق بين الهجين التقليدي الذي يشحن نفسه ذاتيًا ولا يحتاج إلى مقبس، والهجين القابل للشحن الذي يقدم مدى كهربائيًا أطول لكنه يحتاج إلى شحن منتظم ليحقق فائدته الكاملة. واختر بينهما حسب طبيعة مشاويرك وإمكانية الشحن المتاحة لك.

الخلاصة

تكشف تصريحات تويوتا وخططها الأخيرة أن السيارة الهجينة بالنسبة لها ليست جسرًا مؤقتًا سيُهدم قريبًا، بل أساس متين ستبني عليه خلال السنوات القادمة. فالشركة تخطط لرفع إنتاجها الهجين إلى نحو 6.7 مليون وحدة سنويًا بحلول 2028، وتستعد لإطلاق جيل جديد من البطاريات الأرخص والأفضل أداءً في 2027، وتطور محركات أصغر وأكفأ صُممت خصيصًا للعصر المكهرب. وفي الوقت نفسه، لا تغلق الباب أمام السيارات الكهربائية والبطاريات الصلبة والهيدروجين. قد يختلف المحللون حول صواب هذه الاستراتيجية على المدى البعيد، لكن الواضح الآن أن تويوتا تراهن على أن أقصر طريق إلى مستقبل أنظف قد يمر عبر السيارة الهجينة، وأن المشترين حول العالم يبدون حتى الآن متفقين معها.