في عام 1962، كانت بي إم دبليو شركة تمر بأزمة حقيقية، تبحث عن طريق للنجاة بعد سنوات صعبة. ثم أطلقت سيارة صالون صغيرة رياضية حملت اسم الفئة الجديدة، أو بالألمانية "نويه كلاسه". لم تكن مجرد سيارة ناجحة، بل كانت نقطة تحول أعادت تعريف الشركة بالكامل، ووضعت الأساس للهوية الرياضية التي عرفها العالم لاحقًا في الفئة الثالثة والخامسة.

بعد أكثر من ستين عامًا، أعادت بي إم دبليو إحياء الاسم نفسه، وليس ذلك من قبيل الحنين إلى الماضي. فالشركة تعتبر مشروع Neue Klasse الجديد نقطة تحول بالحجم نفسه، وربما أكبر: منصة كهربائية جديدة كليًا، وبطاريات من جيل مختلف، وحواسيب مركزية فائقة، ولغة تصميم جديدة، وطريقة مختلفة تمامًا للتفاعل بين السائق والسيارة. في هذا المقال نشرح ما الذي يحمله هذا المشروع، وكيف تستعد بي إم دبليو من خلاله لجيل جديد من السيارات.

بي إم دبليو وتقنيات Neue Klasse: كيف تستعد الشركة لجيل جديد من السيارات؟

ما هو مشروع Neue Klasse؟

ببساطة، Neue Klasse ليس طرازًا واحدًا، بل منظومة تقنية كاملة صممتها بي إم دبليو من الصفر لتكون أساس سياراتها الكهربائية القادمة. فبدلًا من تكييف منصات قديمة صُممت أصلًا لمحركات البنزين، كما كان الحال في كثير من سياراتها الكهربائية السابقة، بنت الشركة هذه المرة كل شيء حول البطارية والمحركات الكهربائية والبرمجيات منذ البداية.

وكانت أولى ثمار هذا المشروع سيارة iX3 الجديدة، التي كُشف عنها في معرض ميونخ للتنقل في سبتمبر 2025، وبدأ إنتاجها في مصنع جديد كليًا في مدينة ديبريسن المجرية في أواخر العام نفسه. ثم تأتي سيارة i3 الصالون، التي تمثل الجيل الثامن من الفئة الثالثة الشهيرة، ويبدأ إنتاجها في مصنع ميونخ خلال النصف الثاني من 2026.

الجيل السادس من البطاريات: قلب المشروع

أهم ما يميز Neue Klasse هو الجيل السادس من تقنية الدفع الكهربائي لدى بي إم دبليو، والمعروف باسم Gen6. وأبرز ما فيه الانتقال من الخلايا المنشورية المستطيلة التي استخدمتها الشركة سابقًا إلى خلايا أسطوانية جديدة، تقول الشركة إن كثافة الطاقة فيها أعلى بنحو 20 في المئة.

والفكرة ليست في الخلايا فقط، بل في طريقة دمجها. ففي هذا الجيل، تُدمج الخلايا مباشرة داخل حزمة البطارية دون وحدات وسيطة، وتصبح البطارية نفسها جزءًا من هيكل السيارة يساهم في صلابته. هذا التصميم يوفر الوزن والمساحة، ويسمح بوضع طاقة أكبر في المساحة نفسها.

والنتيجة أرقام لافتة. فالنسخة الأولى من iX3 تقطع وفق تقديرات الشركة ما يصل إلى نحو 800 كيلومتر بالشحنة الواحدة وفق المعيار الأوروبي، وأكثر من 690 كيلومترًا وفق المعيار الأمريكي الأكثر تحفظًا. وهي أرقام كانت قبل سنوات قليلة حكرًا على سيارات أغلى بكثير وأكبر حجمًا.

800 فولت وشحن أسرع بكثير

يعتمد Neue Klasse على معمارية كهربائية بجهد 800 فولت، بعد أن كانت سيارات بي إم دبليو الكهربائية السابقة تعمل بجهد 400 فولت. الجهد الأعلى يعني إمكانية تمرير قدرة أكبر أثناء الشحن دون أن تسخن الكابلات والمكونات بشكل مفرط.

وتقول الشركة إن iX3 تستطيع الشحن بقدرة تصل إلى 400 كيلوواط، وهو ما يسمح بإضافة أكثر من 350 كيلومترًا من المدى في نحو عشر دقائق فقط. ومع ذلك، تبقى السيارة متوافقة مع محطات الشحن القديمة التي تعمل بجهد 400 فولت، وهي نقطة مهمة في أسواق لم تتوسع فيها بعد المحطات فائقة السرعة.

كما تدعم المنظومة الشحن ثنائي الاتجاه، إذ يمكن للسيارة تزويد الأجهزة الكهربائية بالطاقة، مع خطط لتمكينها من تغذية المنزل، وإعادة الطاقة إلى الشبكة في الأسواق التي تسمح بذلك.

"العقول الفائقة": حواسيب تدير كل شيء

إذا كانت البطارية هي القلب، فإن الحواسيب المركزية هي العقل. فبدلًا من عشرات وحدات التحكم الإلكترونية الصغيرة المتفرقة كما في السيارات التقليدية، تعتمد Neue Klasse على أربعة حواسيب مركزية فائقة القدرة، تطلق عليها الشركة اسم "العقول الفائقة"، يتولى كل منها مجالًا رئيسيًا: ديناميكيات القيادة، والقيادة الآلية، والمعلومات والترفيه، ووظائف الراحة الأساسية.

"قلب البهجة"

أكثر هذه الحواسيب إثارة للاهتمام هو ذلك الذي أطلقت عليه بي إم دبليو اسمًا غير مألوف: قلب البهجة. يتولى هذا الحاسوب إدارة ديناميكيات القيادة، أي الدفع والفرملة واستعادة الطاقة والتوجيه، كلها من مكان واحد. وتقول الشركة إنه يعالج المعلومات أسرع بعشر مرات من الأنظمة السابقة.

لماذا يهم ذلك؟ لأن جمع هذه الوظائف في عقل واحد يسمح بتنسيق أدق وأسرع بينها. ومن النتائج العملية أن السيارة تستطيع في الغالبية العظمى من مواقف القيادة اليومية، بنسبة تصل وفق الشركة إلى 98 في المئة، أن تتوقف باستخدام استعادة الطاقة وحدها، دون الحاجة إلى الفرامل التقليدية. وهذا يعني كفاءة أعلى، وتآكلًا أقل للفرامل، وانتقالًا أكثر سلاسة بين التسارع والتباطؤ.

عقل القيادة الآلية

أما الحاسوب المسؤول عن القيادة الآلية وأنظمة مساعدة السائق، فتقول الشركة إن قدرته على المعالجة تفوق سابقه بعشرين ضعفًا. وهذه القدرة الهائلة ضرورية لتحليل البيانات القادمة من الكاميرات والرادارات والحساسات في الوقت الحقيقي، وهي الأساس الذي ستبني عليه بي إم دبليو وظائف القيادة الآلية المتقدمة في السنوات القادمة.

Panoramic iDrive: مقصورة بلا شاشة تقليدية

التغيير الذي سيلاحظه السائق فور جلوسه داخل سيارة من Neue Klasse هو المقصورة. فقد تخلت بي إم دبليو عن لوحة العدادات التقليدية خلف المقود، واستبدلتها بنظام جديد أطلقت عليه اسم Panoramic iDrive.

العنصر الأبرز في هذا النظام شاشة عرض بانورامية تمتد على عرض قاعدة الزجاج الأمامي بالكامل، تعرض المعلومات الأساسية في مستوى نظر السائق، ويمكن تخصيصها بشكل كبير لتعرض السرعة أو الملاحة أو الموسيقى أو غيرها. ويُضاف إليها عرض اختياري ثلاثي الأبعاد على الزجاج الأمامي، يقدم إرشادات الملاحة بتقنية الواقع المعزز، فتبدو الأسهم وكأنها مرسومة على الطريق أمامك. وفي الوسط، شاشة لمس مركزية ذات شكل غير تقليدي.

حتى المقود تغير. فقد استبدلت الشركة الأزرار الفيزيائية التقليدية بأسطح لمس تظهر عليها الأيقونات عند الحاجة فقط، لتبقى المقصورة أنظف بصريًا. ويعمل كل ذلك بنظام تشغيل جديد يحمل اسم BMW Operating System X، مبني على منصة أندرويد مفتوحة المصدر، ويدعم التحديثات اللاسلكية المنتظمة، مع تحكم صوتي أكثر طبيعية.

لكن هذا التوجه لا يخلو من نقاش. فبعض المراجعين أبدوا تساؤلات حول ما إذا كانت كمية المعلومات القادمة من ثلاثة مصادر عرض قد تشتت السائق، وحول عملية أسطح اللمس مقارنة بالأزرار الحقيقية التي يمكن الشعور بها دون النظر إليها.

لغة تصميم جديدة تعيد قراءة الماضي

على مستوى الشكل، تحمل Neue Klasse لغة تصميم مختلفة بوضوح عن سيارات بي إم دبليو الحالية. فهي أكثر بساطة ونقاءً، بخطوط أقل وأسطح أنظف، مع إعادة تفسير للعناصر التقليدية للعلامة، مثل الشبكة الأمامية المزدوجة والكشافات، بأسلوب أنحف وأكثر حداثة. وكثير من المحللين لاحظوا أن هذا التصميم يحمل روحًا مستوحاة من سيارات الشركة الكلاسيكية في الستينيات والسبعينيات، في عودة رمزية إلى الجذور التي يحمل المشروع اسمها.

ليس للكهربائية فقط

من النقاط المهمة التي قد لا ينتبه لها كثيرون أن تأثير Neue Klasse لن يقتصر على السيارات الكهربائية بالكامل. فالشركة تخطط لنقل عناصر كثيرة من هذه المنظومة، من لغة التصميم إلى نظام Panoramic iDrive والبرمجيات والحواسيب، إلى سياراتها الأخرى بمختلف أنواع محركاتها، بما فيها التي تعمل بالبنزين والهجينة.

وتعتزم بي إم دبليو جلب تقنيات Neue Klasse إلى طرازات مثل الفئة السابعة وX5 خلال 2026، على أن تصل إلى 40 طرازًا جديدًا أو محدثًا حول العالم بحلول 2027. وهذا يعني أن معظم مشتري سيارات العلامة خلال السنوات القليلة القادمة سيتعاملون مع هذه التقنيات، سواء اختاروا سيارة كهربائية أم لا.

استجابة السوق: بداية واعدة

جاءت البدايات التجارية لمشروع Neue Klasse مشجعة للشركة. فقد تجاوزت طلبات iX3 في أوروبا 50 ألف طلب بحلول مارس 2026، وسجلت في أبريل، وهو شهرها الثاني في الأسواق، أكثر من عشرة آلاف عملية تسليم في أوروبا، لتتصدر فئتها بين السيارات الكهربائية في ذلك الشهر. وفي يوليو 2026، أعلنت الشركة عن إنتاج السيارة رقم 50 ألف من iX3 في مصنع ديبريسن، بعد نحو تسعة أشهر فقط من بدء الإنتاج، مؤكدة أن أيًا من مصانعها الجديدة لم يرفع إنتاجه بهذه السرعة من قبل.

بل إن الطلب تجاوز قدرة الإنتاج، إذ اقتربت الطلبات من مئة ألف سيارة، أي قرابة ضعف ما أُنتج، ما دفع الشركة إلى تقديم موعد إضافة وردية عمل ثانية في المصنع. وفي السوق الأمريكية، طُرحت السيارة بسعر يقترب من سعر نسخة البنزين من X3، في خطوة تعكس رغبة الشركة في إزالة الفجوة السعرية التي طالما أبعدت المشترين عن السيارات الكهربائية.

شبكة إنتاج عالمية

لا يقتصر Neue Klasse على مصنع واحد. فمصنع ديبريسن في المجر هو الأول، ويلحق به مصنع ميونخ الأم لإنتاج i3. وفي الصين، تُنتج نسخة ذات قاعدة عجلات أطول من iX3 في مصنع شنيانغ لتلبية أذواق السوق الصينية. ومن المتوقع أن ينتقل إنتاج iX3 المخصصة لأمريكا الشمالية إلى مصنع الشركة في سان لويس بوتوسي بالمكسيك في 2027. هذا الانتشار يعكس حجم الرهان، فالأمر لا يتعلق بطراز تجريبي، بل بالأساس الذي ستقوم عليه الشركة خلال العقد القادم.

التحديات أمام بي إم دبليو

رغم البداية القوية، تواجه الشركة تحديات حقيقية. أولها المنافسة الشرسة من الشركات الصينية التي تقدم سيارات كهربائية متطورة بأسعار منخفضة، وتتقدم بسرعة في البرمجيات والبطاريات. وثانيها أن الانتقال إلى منظومة جديدة بالكامل، بحواسيبها وبرمجياتها، يحمل دائمًا مخاطر المشكلات التقنية في البداية، وهو ما عانت منه شركات أخرى في تجاربها المماثلة. وثالثها أن الطلب على السيارات الكهربائية يتفاوت كثيرًا بين الأسواق، ويتأثر بالسياسات الحكومية والحوافز.

ولهذا تحافظ بي إم دبليو على نهج مرن، فهي تواصل إنتاج سيارات بالبنزين والهجينة إلى جانب الكهربائية، وتعمل أيضًا على تطوير سيارة إنتاجية تعمل بخلايا وقود الهيدروجين، في ما يشبه رهانًا على أكثر من حصان في الوقت نفسه.

ماذا يعني ذلك للمشتري؟

بالنسبة لمن يفكر في سيارة من بي إم دبليو خلال السنوات القادمة، فإن Neue Klasse تعني أن الجيل القادم سيكون مختلفًا جذريًا، لا مجرد تحديث شكلي. مدى أطول، وشحن أسرع، وكفاءة أعلى، ومقصورة رقمية بالكامل، وتحديثات برمجية مستمرة. لكنها تعني أيضًا تجربة استخدام مختلفة قد تحتاج إلى وقت للتعود، خاصة لمن يفضلون الأزرار التقليدية.

وفي الأسواق العربية، سيعتمد وصول هذه الطرازات وتوقيته على خطط الوكلاء المحليين، وعلى توفر البنية التحتية للشحن السريع التي تستطيع الاستفادة من قدرات هذه السيارات. ومن المفيد متابعة إعلانات الوكلاء، والتحقق من شروط ضمان البطارية، ومدى ملاءمة أنظمة التبريد للمناخ الحار.

الخلاصة

كما كانت Neue Klasse الأولى في الستينيات نقطة تحول أنقذت بي إم دبليو ورسمت هويتها، تراهن الشركة اليوم على أن تكون Neue Klasse الجديدة بوابتها إلى عصر مختلف. بطاريات أسطوانية بكثافة أعلى، ومعمارية 800 فولت بشحن فائق السرعة، وحواسيب مركزية تدير ديناميكيات القيادة بدقة غير مسبوقة، ومقصورة تعيد تعريف العلاقة بين السائق والمعلومات، ولغة تصميم تعود إلى الجذور بروح حديثة. والبدايات التجارية تشير إلى أن الرهان بدأ يؤتي ثماره. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في السنوات القادمة، حين تنتشر هذه التقنيات في عشرات الطرازات، وتواجه منافسة لا ترحم، وتثبت قدرتها على الوفاء بوعودها في الاستخدام اليومي.